الخميس، 11 أكتوبر 2018

حكاية سر الزيت



رواية للفتيان بعنوان "حكاية سرّ الزيت"، للأسير الفلسطيني وليد دقة.
الرواية صدرت عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، برسومات للفنان فؤاد اليماني وتصميم الخيري وبدعم من دياكونيا، وتقع في 96 صفحة من القطع المتوسط.
تتجول الرواية في عقل ولد يريد أن يزور أبيه في السجن، لكنه لا يستطيع بسبب منع الاحتلال للزيارة، فيقوم الولد بالاختباء داخل شجرة زيتون سيتم نقلها إلى الداخل، ومن هناك، وعبر الاختفاء بواسطة زيت الزيتون المقدس، يستطيع الولد دخول السجن للزيارة، وحين يخيَّر السجين بأن يتم إخراجه بواسطة الزيت المقدس، يختار أن يتم نقل الطلاب الذين لا يستطيعون الوصول إلى جامعاتهم، مقدماً تعليمهم على حريته.
ولد وليد نمر أسعد دقة عام 1961 في باقة الغربية، وهو معتقل منذ 25-3-1986، ومحكوم بالسجن المؤبد بتهمة خطف وقتل الجندي "موشيه تمام" في نتانيا.
واكتسب وليد خبراتٍ واسعة في حياته الاعتقالية وقدراتٍ ثقافية عالية، وحصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسية، ويعتبر أحد أبرز مفكري ومثقفي الحركة الأسيرة، وله عدة مؤلفات مهمة أبرزها كتاب "صهر الوعي".
وتم تحويل نصه في الأسر، "الزمن الموازي"، إلى مسرحية قدمت على مسرح الميدان في حيفا، وقامت على إثرها ضجة في إسرائيل.
ويشرح وليد دقة، في نصّه، حالة السجين ونظام حياته، في الأسر، واصفاً هذه الحياة بأنها تسير في زمن موازٍ للزمن الذي يعرفه بقية الناس، ولمن لا يضربه برد السجون.
يذكر أن وليد دقة وكريم يونس يعتبران من أقدم المعتقلين السياسيين في العالم.


الاثنين، 16 أبريل 2018

إشكالية اختيار العنوان الروائي





هذه محاولة لفهم آليات اختيار عنوان روائي، أظنها فريدة، لأنها جاءت نتيجة تجربة شخصية مع عنوان لنص روائي شهدت ميلاد مسودته، واطلعت على إشكالية اختياره من عنواين مُقترحة حتى استقر عتبة على غلاف رواية مطبوعة .بداية لا بد من الإشارة إلى أن بعض الروائيين يعدون اختيار عنوان للنص من أصعب المهمات التي تسبق نشر الرواية، صعوبة هذه المهمة تأتي من الوظائف المتعددة والمركبة والمتداخلة التي يقوم بها العنوان من حيث التسمية والتعيين والدلالة والإحالة والتشويق..وهناك نمطين رئيسييين من العلاقة بين العنوان والنص :الأولى : العلاقة الامتدادية وفيها يتولد النص من العنوان ، فيكون العنوان أول ما يكتبه السارد ثم يأتي النص امتدادا له ، فيكون العنوان عصيرا مركزا ينحل في المتن، ومثال على ذلك الكاتبة منى النابلسي التي تنشر أحيانا مقاطع من رواية تكتبها اختارت لها مسبقا عنوان " أمسكت ظللي .. "
الثانية : العلاقة الارتدادية من النص إلى العنوان ، فيجتهد الكاتب ومن حوله  بعد الانتهاء من كتابة النص للبحث عن عنوان يكثف النص و يسبر أغواره ويكشف أبعاده ويرمز إلى مكوناته. وهذا ما تم في رواية الأديب وليد الهودلي الجديدة " وهكذا أصبح جاسوسا .. " التي صدرت عن مركز بيت المقدس للأدب في رام الله في نيسان 2018 . وهي موضوع هذه المقالة .أفرج عن الكاتب الهودلي في أيار 2017 بعد اعتقال إداري لمدة أربعة شهور في سجن مجدو ، أنجز الكاتب ـ كعادته ـ خلال فترة سجنه كتابا عن تجارب المعتقلين خلال فترة التحقيق، أغلب الفصول تفضح وتكشف ألاعيب المحققين وفخاخهم للإيقاع بالمعتقل وإغوائه لكي يقدم معلومات واعترافات عن طريق المكر والخداع ، من خلال " العصافير"، وهي ظاهرة قديمة متجددة في المعتقلات ويتم تطويرها دائما لتظل فعالة في اصطياد المعتقل. لذا يكون في ألاعيبهم وقصصهم ما هو مدهش وجديد، وتلك مادة مشوقة للكتابة ، وسبق للهودلي أن كتب قبل عشرين عاما كتابا حمل عنوان " في ىشِباك العصافير " سجل فيه قصصا تدول حول ذات المحور .أرسل لي الكاتب مسودة القصص للمراجعة والتدقيق ، وفي بداية الرسالة طلب أن أرشح عنوانا للمجموعة من العناوين التالية :" زيارة خلف ستائر العتمة "" أسبوعيات خلف ستائر العتمة "" أسبوعيات مجدو "" من أسبوعيات سجن مجدو "" وقعت عن الحمار .. "ولا يحتاج المطلع على كتابات الأديب الهودلي لكثير من الجهد لكي يكشف كنه كل عنوان والدافع لاختياره ، مثلا " زيارة خلف ستائر العتمة " و" أسبوعيات خلف ستائر العتمة "  فيه توظيف للإفادة من الشهرة الواسعة والانتشار الكبير لرواية " ستائر العتمة " التي طُبعت ثلاث عشرة طبعة، وأخرجت فيلما ، وصدر منها جزء ثان حمل ذات العنوان . لم يختر الكاتب لعمله الجديد عنوان مثل " في شِياك العصافير .. الجزء الثاني " رغم أن موضوع القصص يدور حول نفس المحور. وذلك لأن كتاب " في شباك العصافير"  لم يحقق نجاح وشهرة كتاب " ستائر العتمة" ، ويشبه ذلك ميل الناس للتسيمة أبنائهم  بأسماء المشاهير.أما عناوين مثل :  " أسبوعيات مجدو " و " من أسبوعيات سجن مجدو " فتركيب أسبوعيات له علاقة بزمن االكتابة، حيث تبدأ كل قصة بالإشارة إلى لقاء أسبوعي يسجل الكاتب خلاله قصة أحد المعتقلين الذين لديهم ما يدهش ويستحق التدوين ، و" مجدو "  هو الحيز المكاني الذي التقى به الكاتب مع أبطال قصصه .وأما عنوان " وقعت عن الحمار" فهو عنوان داخلي لإحدى القصص الواردة في الكتاب، وهذا نمط سائد في عنونة المجموعات القصصية ، عندما يقفز عنوان إحدى القصص الفارقة والمميزة إلى الغلاف.قرأت المسودة وراجعت بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية ، وأرسلت للكاتب :" .. هذا النص بعد مراجعته ، أقترح له عنوان " ثعالب شلومو .. "رأيت أن هذا العنوان فيه دلالة على المحتوى العام للقصص، لما علق بالثعالب من سمة الخداع والضعة والتظاهر بغير الواقع، وإضافة شلومو للثعالب لأنه اسم لأحد المحققين الذي يلعب دور معتقل مناضل ليوقع بأحد الشباب كما في قصة " أبو النور"، والإضافة تُكسب المفردة الأولى تعريفا وتخصيصا . لم يعجب هذا العنوان الكاتب كثيرا، وراح يعرض النص على زملاء ويراجع العناوين محاولا الاستقرار على عنوان أنسب يقتنع به ، وبعد جهد سجل الكاتب قائمة جديدة لعناوين مقترحة ، فعاد وأرسل لي رسالة جاء فيها :" .. أسماء مقترحة للقصص :" زلزلة الوعي "" حصائد ألسنتنا "" كي لا تفرط المسبحة " " انفراط المسبحة "" عصافير مجدو "" لسانك نجاتك "" عجائب جديدة خلف ستائر العتمة "" ثعلبة شلومو "" تعلبة ومهلكة "" كي تنجو من الشيطنة "ويمكن تسجيل الملاحظات التالية على القائمة الثانية من العناوين المقترحة:لم يتخلص الكاتب من تأثير شهرة كتابه " ستائر العتمة " ولكن التأثير يبدو في هذه القائمة أضعف، فقد اقتصر على عنوان واحد بينما هيمن في القائمة الأولى على عنوانين .عنوان " ثعالب شلومو " راق للكاتب ، ولكنه نفر من الاسم إلى الصفة أي من الثعالب إلى الثعلبة.تضمنت لائحة العناوين الثانية تسميات مثل : حصائد ألسنتنا ، لسانك نجاتك ، كي تنجو من الشيطنة وفيها رسالة مباشرة ذات مرجعية دينية يظهر ذلك من خلال التناص الديني .راق العنوان الأول " زلزلة الوعي " كثيرا للكاتب، وعندما عرض علي عنوان " زلزلة الوعي " أجبت بأنه عنوان ملائم لبحث في التنمية البشرية أو دروس التزكية، وتلط من المواضيع ذات الاهتمام الكبير عند الكاتب، ولكنه يفتقد للشاعرية والتشويق ولا يصلح لعمل أدبي. فعدل عن العنوان .ثم جاء اقتراح من خالد القصراوي زميل الهودلي في المكتب أن يكون العنوان " كيف تصبح جاسوسا ؟ " مبررا اختياره بأنه عنوان مشوق سيقيم الدنيا ، لما فيه من صدمة ، جريا على نمط العنونة التجارية  مثل : كيف تصبح مليونيرا ؟ كيف تصبح عبقريا؟ كيف تصبح متألقا ؟ كيف تصبح إنسانا؟ ومن الواضح أن الاقتراح بني على مقصد التشويق وإثارة انتباه القارئ واصطياده قي فخ الفضول.

واستقر رأي الكاتب على هذا الخيار، وأجرى تحريفا عليه فجعله " وهكذا أصبح جاسوسا" وجعله من جنس الرواية .
الاستقرار على عنوان " وهكذا أصبح جاسوسا " أثر أيضا على العناوين الداخلية في النص الذي هو من عشرين قصة ، فأعطى الكاتب ذات العنوان لثلاث قصص في كتابه . الأول للقصة الأولى وهي مقدمة يسرد فيها الكاتب قصة اعتقاله ووصوله إلى سجن مجدو مهد الحكايات ، في هذا الفصل جاء العنوان منسلخا عن المضمون غير دال على مضمونه، لا علاقة له بالفصل الأول أو القصة الأولى.
ثم سطا العنوان الرئيس على آخر قصتين في الكتاب، أخذت واحدة عنوان " وهكذا أصبح جاسوسا ( 1 ) " وكانت في المسودة تحت عنوان " لا تتثعلب " وأخذت الثانية عنوان " وهكذا أصبح جاسوسا ( 2 ) " وكانت في المسودة " الصفقة " .
على صفحة الغلاف جاء العنوان الشكلي ( رواية) ليشير إلى جنس العمل الأدبي، أراد الكاتب من خلاله تحديد ماهية المقروء، وأن فصول الكتاب تتضافر لتشكل وحدة بنائية متصاعدة نحو عقدة واحدة وحل مقترح، يعبر عنها العنوان المهيمن، ولكن بعد قراءة القصص نجد القصة الأولى التي هي المدخل العام، وتسع قصص أخرى في الكتاب تتمرد على العنوان الرئيس ، ولم تصبح الشخصية الرئيسة فيها جاسوسا ، وهذه القصص هي :
قصة الأسبوع الثالث : تحقيق في فيلا "
قصةالأسبوع الرابع : " شبحة الموزة "
قصة الأسبوع السادس : " شباك رقم ( 10) .
قصة الأسبوع السابع : " أنا ضيف عندكم "
قصة الأسبوع العاشر : " وقعت عن الحمار"
قصة الأسبوع الحادي عشر : " عصافير على الحد الفاصل "
قصة الأسبوع الرابع عشر : آن لهذا القلب أن يستريح "
قصة الأسبوع الخامس عشر : " ستة خراف "
قصة الأسبوع السادس عشر : " ليلعموا أن الله حق .. جماعة ال vip "
معروف أن الرواية التقليدية يربطها خيط واحد من البداية حتى النهاية ، والخيط الذي شبك هذه القصص هو الراوي القلم ، وقلم الكاتب اتخذ وظيفة الراوي الذي يحترق لمعرفة النهايات ، ويتصيد بسنارته قصص الأسرى، وله قرون استشعار تبحث عن الحكايات، ويسافر مع أبطال القصص، ويطرق الجدران الصامتة ليستخرج أسرارها.
أما الرواية الدرامية فشكلها يستوعب أنماطا من السرد يغيب الخيط الواحد ويحضر الفضاء المكاني والزماني وترددات الموضوع الواحد ، ولكن وظيفة العنوان المهيمن الدال تبقى ثابتة، في " وهكذا أصبح جاسوسا " خرجت نصف القصص في الكتاب وتمردت على العنوان ، فهل هذا التمرد أفقد العنوان أهم وظائفه وبعثر قصدية اتجاهه؟أم هو عنوان مرواغ، يقول للقارئ هكذا تصبح جاسوسا وهكذا لا تصبح ، فتم حذف الجزء الأخير ليستمر التأثير، من خلال تركيز الإضاءة على الجانب الأكثر خطورة ؟  وتجدر الإشارة أن العلاقة بين العنوان والمتن في الرواية الحديثة لا تخلو من اعتباطيّة ، كما لا تخلو من مقصديّة ما، يؤوّلها المتلقّي.