الجمعة، 3 يونيو 2016

رام الله الشقراء

قراءة في رواية " رام الله الشقراء " لعبّاد يحيى
بقلم: محمد جرادات

تاريخ النشر : 2013-01-25
صدر مؤخراً عن " دار الفيل " في القدس رواية : " رام الله الشقراء " للكاتب عبّاد يحيى ، يذكر أن هذه الرواية هي الأولى له، وتقع في126 صفحة من القطع المتوسط، وقد قدم لها الشاعر والناقد الفلسطيني محمد الأسعد متحدثاً عن تجربة الكاتب .
* النص الموازي / عتبات الرواية  
يعد النص الموازي أو العتبة كما أسماه الناقد الفرنسي ( جيرار جنيت ) من أهم العناصر التي تسبق النص الروائي وهو أيضاً ما يطلق عليه النص المحيط ، أو المقدمة كالإهداء ولوحة الغلاف وغيره من العبارات التي تسبق النص الروائي المركزي ، فهو عتبة مهمة نلج من خلالها إلى النص .
وقد استهل الكاتب روايته هذه بالنص الموازي الآتي :
"أحياناً يكفي أن تضغط
Print out على أرشيف مراسلاتك في فيسبوك لتكون لديك رواية ما "
فهل هنالك علاقة بين هذا النص الموازي ونص الرواية الداخلي ؟
هنالك علاقة وثيقة ومرتبطة ؛ فهذه الرواية عبارة عن رسائل " فيسبوكية " يومية بين شاب وصديقته من النخبة المثقفة ، يرصدان في هذه المراسلات ما يلاحظانه من مشاهد في رام الله يومياً ، ويبعث كل منهما للآخر أخبار يومه وما حواه من قضايا متنوعة .
وهذا ما دعا الكاتب ليخبرنا أنه بإمكاننا أحياناً أن نكَوِّنَ رواية من مراسلاتنا عبر فيس بوك كما فعل هو في روايته هذه .
سيميائية العنوان :

يختار عباد يحيى " رام الله الشقراء " عنواناً لروايته ، وهو عنوان ذو مكون مكاني ، رام الله تلك المدينة الواقعة في وسط الضفة الغربية والتي تحتل حاليا مركزا سياديا يجعلها من أهم مدن الضفة الغربية، إذ أنها تُعتبر العاصمة الإدارية المؤقتة للسلطة الفلسطينية. و تعني كلمة رام المنطقة المرتفعة، وهي كلمة كنعانية منتشرة في أماكن مختلفة في فلسطين، كالرام في ضواحي القدس وغيره ، وأضافت إليها العرب كلمة الله فأصبحت رام الله، وقد عرفها الصليبيون بهذا الاسم.
في عنوان الرواية تقترن رام الله بوصف الشقراء ، والمعروف من خلال سيميائية اللون ودلالته بأن اللون الأشقر له علاقة بالغرب الأوروبي والأمريكي ، فهل قصد الكاتب من نعته لرام الله بالشقراء بأن هذه المدينة أوروبية أو أمريكية ؟ أم شبهها بفتاة شقراء ؟ ونحن جميعاً نعلم أن رام الله مدينة عربية فلسطينية ومن صفات العرق العربي ولون بشرته السمرة ، فلماذا لم ينعت الشاعر رام الله بالسمراء ؟!
للعنوان علاقة بنص الرواية ، ودلالة مختزلة لما يحدث في رام الله من غزو غربي أشقر لكل ما فيها من مؤسسات ، ووزارات وجامعات ومدارس ومعارض ومؤتمرات وورشات العمل المتنوعة والمطاعم و المقاهي والبارات.
حتى حين يسير أحدنا في شوارع رام الله، سيلاحظ المئات من الشُقر والشقراوات يجوبون شوارع المدينة ومرافقها ، ونص هذه الرواية محوره الرئيسي الحديث عن هؤلاء الشقر وتغلغلهم في نسيج الحياة العامة في رام الله، إذ تحاول الرواية رصد الوجه الآخر لهؤلاء الأجانب، وتربط هواجس الإنسان الفلسطيني حول سبب تواجدهم بهذه الكثافة في رام الله ، وتحكي لنا بعض قصصهم وخفاياهم ، فهم ـ كما يظهرون في الرواية ـ مرتبطون بالجنس والإسقاط السياسي و الأخلاقي للشباب الفلسطيني ، والمخدرات ، والتعاون مع الموساد وغيرها من الهواجس التي يطرحها بطل الرواية . 
اعترافات رجل لا يستحي ..
أ.د. عادل الاسطة

هل حدث أن اشتريت كتاباً لأجل عنوانه؟
هذا ما حدث معي شتاء هذا العام، وأنا في عمّان. لقد دفعت ثمن الكتاب بلا تردد، فعنوانه ـ "اعترافات رجل لا يستحي" (2011) ـ لفت نظري. هل حدث هذا معي من قبل؟
في العام الماضي كنت في طريقي إلى فاس للمشاركة في مؤتمر، وفي مكتبة دار الشروق لفت عنوان رواية نظري: "العشيق الفلسطيني لجولدا مائير" لكاتب يهودي لبناني يقيم في فرنسا. سأشتري الكتاب وسأكتب عنه ("الأيام" 5/6/2011)، وسيكون المقال من المقالات الأكثر قراءة.
في شتاء هذا العام سأحضر نسخة ثانية من الرواية لصاحب مكتبة، فنسختي مليئة بالخربشات، وسيعيد صاحب المكتبة طباعة الرواية. هل هو العنوان؟ هل هو مقالي عن الرواية؟ وسيناقش طلبة جامعة النجاح الوطنية الرواية. تُرى من هو أول من لفت نظرنا إلى العناوين: المثل الشعبي "اقرأ المكتوب من عنوانه" أم الصديق القاص أكرم هنية في نهاية 70 ق20، فقد كانت عناوين قصصه لافتةً، أم هو شعيب حليفي في دراسته في "الكرمل" في بدايات 90 ق20؟ الدراسة التي سأقررها على طلبة الدراسات العليا في جامعة النجاح، لتلفت نظر طلابي، فينجز أحدهم، وهو فرج المالكي، رسالة عن العناوين في الرواية الفلسطينية.
نعم، نعم، فهذه هي المرة الثانية التي أشتري فيها كتاباً لأجل عنوانه، المؤلف هو سليم مطر، ولا أعرف عنه من قبل شيئاً. شيوعي عراقي تحول إلى الوسط، فخير الحلول ـ كما يقول ـ الوسط. أقام سليم مطر في العراق في حي الشاكرية، وفي العام 1978 غادر العراق مع الرفاق خوفاً على الحياة، واستقر أشهراً قليلة في صوفيا ليعود إلى لبنان ويلتحق بقواعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وسرعان ما يهجر السياسة، فقد خاب أمله فيها، ويقرر الهجرة إلى روما، وفيها يعيش من وراء الرسم، ويفكر في الرحيل عنها إلى سويسرا، فتسرق دولاراته الثلاثمائة، ما يدفعه للبقاء فترة أخرى في إيطاليا التي سيغادرها إلى سويسرا ويستقر فيها. وسيكتب هذا الروائي العديد من الروايات قبل أن يكتب سيرته: "اعترافات رجل لا يستحي".


رواية القدس ... ترانيم الغواية لليلى الأطرش
بفلم : د . عادل الأسطة
  

ليلى الأطرش الأديبة الأردنية ذات الأصول الفلسطينية، فقد ولدت في بيت ساحور، أتت على القدس إتياناً عابراً في روايتها الأولى "وتشرق غرباً"، ويبدو أن المدينة ظلت حاضرة في ذاكرتها، فقد أصدرت العام المنصرم روايتها "ترانيم الغواية" (2014) التي زينتها بلوحة غلاف لبعض بيوت القدس القديمة، واتخذت من القدس بعداً مكانياً لها، ودارت أحداث الرواية في المدينة في أزمنتها المبكرة، زمن العثمانيين والانتداب، ومن ثم زمن الاحتلال الإسرائيلي: 1967.
عن العنوان ..
وربما يثير المرء بعد قراءته الرواية السؤال التالي: لمَ لمْ تجعل ليلى الأطرش عنوان روايتها عنواناً ذا مكون روائي يحضر دال القدس فيه؟ رواية ليلى الأطرش التي خلا عنوانها الرئيس من ذكر اسم القدس تحفل بعناوين فرعية، ولا يحضر دال العنوان فيها ـ أعني ترانيم الغواية، وإنما تحضر عناوين أخرى كثيرة يبلغ عددها ثلاثين عنواناً تتوزع مكوناتها على مكونات مكانية وشيئية وزمانية وشخصية، وتبدأ هذه العناوين الفرعية بعنوان ذي مكون مكاني "مدينة الملك العظيم" يتلوه عنوان آخر ذو مكون مكاني، أيضاً. "حوش أبو نجمة"، ولا تخلو بقية العناوين الفرعية من عناوين ذات مكون مكاني "سانتياغو" و"مدينة القسوة" و"باب الهوى"، أيضاً، ولا يحضر المكان/ القدس فقط تحت العناوين سابقة الذكر، وإنما يحضر وتحضر القدس في الرواية كلها، حتى ليتساءل المرء ثانية: حقاً لمَ لمْ يبرز اسم القدس في العنوان الرئيس؟ بل وفي العناوين الفرعية؟
 القدس، كما تقول العناوين الفرعية، هي مدينة الملك العظيم، وهي مدينة القسوة، ومع أن التصور المسبق للمدينة، لدى كثيرين، أنها مدينة مقدسة ومدينة أماكن عبادة، إلاّ أن أحد أبوابها، وهي كثيرة، ينعت بأنه باب الهوى، وفي القدس عشق آخر غير العشق الرباني للمكان. ثمة عشق بشري محرم يجري ليلاً في باب الهوى وفي أماكن أخرى من مدينة الديانات الثلاث، وفي العناوين الفرعية عنوانان يختصان بهذا العشق: "العشق المحرم"، وسيكون أحد أبواب المدينة باباً للهوى، وربما أضاء القسم الأول من الرواية طبيعة هذه المدينة التي رسم لها بعض الشعراء صورة واحدة مشرقة، مثل عبد اللطيف عقل في قصيدته "القدس" وعز الدين المناصرة في قصيدته "القدس عاصمة السماء" ومثل شعراء آخرين كثر لم يزوروا المدينة ولم يقيموا فيها واقتصرت علاقتهم معها على علاقة روحية، ولم يروا فيها إلاّ جانباً واحداً.
العنوان الأول من عناوين الرواية الفرعية هو عنوان، كما قلت، ذو مكون مكاني "مدينة الملك العظيم"، وسيعود إليه قارئ الرواية ودارسها ثانية بعد الانتهاء من قراءة الرواية ليسائله، وليرى إن كان ما أدرج تحته قال كل شيء مسبقاً عن المدينة، وأن ما جاء بعده من عناوين وما أدرج تحتها إن هو إلاّ تنويع وتفصيل وإثراء لما ورد فيه ـ
3 حزيران 2016  
( منقول عن جريدة الأيام )


رواية فرس العائلة

رواية فرس العائلة
قراءة في عتبة العنوان
بقلم : فرج المالكي 
توطئة :

فرس العائلة عنوان لرواية الكاتب محمود شقير ، صدرت عن دار نوفل في بيروت عام 2013 ، وعرفت بأنها الرواية الأولى للكاتب بعد انتاج قصصي غزير تواصل خلال ثلاثين عاما .
تحكي الرواية في 336 صفحة رحلة عشيرة العبد اللات البدوية التي تسكن برية القدس غربا نحو المدينة لتسكن في قرية تؤسسها وتسميها ( راس النبع ) وتغطي الفترة الزمنية الممتدة من أواخر العصر العثماني عبر الاحتلال الإنجليزي في الأربعينيات ، منذ الجد الأول الحاج عبد الله الذي يقتل وتنتقل زعامة العشيرة بعده لابنه الشيخ محمد ومنه لابنه المختار منّان الذي يتخذ قرارا بالرحيل عن البرية .

قراءة أفقية في العنوان :
عنوان ( فرس العائلة ) مركب إضافي خبر لجملة اسمية ،  الفرس فيه مكوِّن فاعل والعائلة أيضا مكوِّن فاعل .
في الدلالة المعجمية : الفرس هي انثى الخيل ، والعائلة أَهل بَيت، رَجُل وزوجته وأولاده وأقاربه لأبيه ومَن تكفَّل بهم .
يرسم العنوان بخط طباعي على غلاف تهيمن عليه لوحة فوتوغرافية لفتاة ملثمة بحجاب أحمر اللون ، مما يجعل ذهن القارئ ينصرف إلى أن العنوان سيحكي قصة فتاة ، وظيفته الأساسية كشف أسرارها .
نمط العنوان بشكله القائم ولوحة الغلاف تحيل المتلقي إلى نمط العنوان الروائي الكلاسيكي .

أسئلة العنوان الأولية :
الفرس في الوعي الجمعي رمز من رموز العز والجاه والثراء والسلطة، مثال الجمال والرشاقة ، تتمثل فيها قيم الوفاء والنبل ، وهي أيضا من رموز الخصوبة . فعن أي فرس سنقرأ في النص المتوالد من هذا العنوان ؟  ثم هي فرس العائلة ، فهي ليست فرس حرب ، ولا فرس سباق أو رهان ، ولا فرس النهر بل فرس العائلة ، والعائلة لها أفرادها وأرضها وبيتها ، ولها بطولاتها وهزائمها ، لها انجازاتها وخساراتها ، فأي العائلات هي تلك التي كانت فرسها هي عنوانها لكي تستأثر بأهم محطاتها وسماتها ؟
وهنا يأتي العنوان من مكونين فاعلين ، فأيهما الأكثر عملا في الثاني ؟ هل الفرس هي سبب وجود العائلة ، أم العائلة هي سبب وجود الفرس ؟ هل الفرس هي التي توجه مسارات العائلة ؟ أم العائلة هي التي كونت ماهية الفرس ؟

تجسد العنوان في النص :
تظهر الفرس في النص في صفحاته الأولى ، ولكن فرس العائلة تتأخر وتظهر في نهاية الفصل الأول الصفحة ( 34 ) لإ فيكشف النص عنها ، لنكتشف أن الجد عبد الله بينما كان يرد عين الماء برز له عدد من فرسان عشيرة الفرارجة واشتبكوا معه وأردوه قتيلا ، ثم لاذوا بالفرار ، وذلك بسبب الصراع الدائم بين العشيرتين على المراعي وموارد المياه ، وظلت فرسه تحمحم حول جثته ولما تأكدت أنه مات انطلقت تثير النقع وراءها ولم تتوقف إلا أمام مضارب عشيرته ، فعرف ابنه محمد أن والده قتل فانطلق يأخذ بثأر أبيه ، ويدور صراع ينتهي بالصلح . ولكن ابنه منّان ظل يعتقد أنه لم يأخذ بثأر أبيه كما يجب .  
بعد هذه الحادثة تختفي الفرس في ظروف غامضة ، بحثت عنها العشيرة في الفيافي والقفار فلم تجد لها أثرا ، ولكن الفرس لم تنقطع عن زيارة العشيرة ، تأتي مرة على حقيقتها ، وتأتي مرة على شكل كائن خرافي يسد الأفق ، وتأتي مرة على شكل جنيّة ، وتأتي في الأحلام ، ويسمع الناس صهيلها يتردد في الوديان . وفي ختام الرواية تنادي صبحاء أم المختار منان وزوجة الحاج محمد : هاتوا لي فرس العيلة .. بدي فرس العيلة .

تعالق العنوان والنص :
أول ظهور للفرس في الرواية جاء في الصفحة ( 12 ) عند وصف لقاء جسدي حميم بين المختار منان وإحدى زوجاته الست : " بعد أن تنشر العتمة رداءها الخفيف على البرية تحت قمر متلألئ في السماء…يسارع منّان إلى زوجته المستلقية في فراشها، يعريها بلا استعصاء كما لو أنها كانت تنتظره، يتلألأ جسدها تحت النور الخافت الذي يرسله القمر، يلتحم بها وهي تحمحم مثل فرس…’
يذكرنا هذا الوصف مع وصف فرس العائلة عند جثة الشيخ عبد الله القتيل عند عين الماء في الصفحة ( 35) : " تحمحم بالقرب من جثته ، وحين اشتمت رائحة دمه المتخثر ، راحت تشب رافعة قائمتيها الأماميتين إلى أعلى كأنها تطلب النجدة ، وحينما لم يصل أحد ، انطلقت تعدو مثيرة النقع خلفها ، ولم تتوقف إلا أمام مضارب العشيرة " .
في الفصل الثاني هناك شرح لما عرف ( ليلة النار ) في تلك الليلة ظهرت الفرس ، ووقفت عن مربطها لعل أحدا يقدم لها عليقها أو يلاطفها فلم يقترب منها أحد ، وبعد ثلاثة أيام انطلقت تعدو عبر الغبش الداكن ، العشيرة برجالها ونسائها أقامت حفلة رقصت فيها النساء أمام الرجال ، وانتهت الحفلة بإقامة طقوس زواج لسبع زيجات، والمختار منان مارس طقس العبور على تلة في الهواء الطلق .
وتقدم لنا الرواية تفسيرا لهذا الشبق الممتد في الكثير من مشاهدها ، مشاهد قد تزيد على الثلاثين مشهدا ، ومشاهد الجنس تتنوع أيضا لتشمل معظم الشخوص والكثير من الأماكن :على تلة ، على بيدر الكرسنة ، على الأرض المحروثة ، في بيوت الشعر ، في بيوت الدعارة في تل أبيب ... وتظهر عشيرة العبداللات " عشيرة كل رجالها يعبدون الفرج " .
هنا تصير ( فرس العائلة ) رمزا للشهوة الجامحة التي لا تعترف بمحرمات دينية ولا محظورات اجتماعية ، وذلك لأن المختار منّان ابن شيخ القبيلة المغدور عجز عن الثأر من قتلة أبيه ، ثم ورث ابنه محمد زعامة العشيرة، ‘فاعتقد أن دماء أبيه ذهبت هدراً، وبات يؤرقه الإحساس بضعف عشيرته أمام الغرباء، فقرر الإكثار من الزوجات، لاستيلادهن أعداداً كبيرة من الأولاد "  (ص. 36) .
أما قبل :

فرس العائلة هي فرس الشهوة التي تنطلق من عقالها متجاوزة كل الحدود ، وكاسرة لكل الأعراف ، فرس تحمل على صهوتها نصا روائيا يرتكز على المشاهد الجنسية المبالغ فيها ، فإذا كان مجموع عدد شخوص الرواية قريبا من تسعين شخصية ، وعدد المشاهد الجنسية في حدود ثلاثين مشهدا ، فهذا يعني مشهدا لكل ثلاث شخصيات ، فهل يلام من يرى أن الفرس كانت في الرواية رمزا للخصوبة البوهيمية ؟! 
3 / حزيران / 2016 

رواية أوراق االشهد

أوراق الشـــهد
قراءة في عتبة العنوان
بقلم : فرج المالكي 
توطئة :

( أوراق الشهد.. صفحات من الذاكرة ) الإصدار الأول للكاتبة فاطمة باجس ، صدر عن دار الفتح للنشر والتوزيع في عمان عام 2016 . صورة الغلاف لمرأة متوشحة بالسواد تحتضن كوفية فلسطينية ، والإهداء : إليه في اغترابها و إليه في انتظارها ، تخلو صفحة الغلاف من تعيين جنس العمل الأدبي مباشرة ، بينما أشارت إليه الكاتبة على موقعها أكثر من مرة بأنه قصة .  وهي من حيث الحدث أقرب إلى القصة القصيرة .
 الدلالة المعجمية في العنوان :
 العنوان الرئيس( أوراق الشهد ) مكوِّن شيئي من المضاف والمضاف إليه ، الأوراق جمع كثرة ، والورقة في الدلالة المعجمية عبارة عن صفحتين متتاليتين وجه وظهر.
المكوِّن الإضافي الثاني للعنوان ( الشهد ) بفتح الشين أو ضمها في لسان العرب عسل النحل ما دام لم يعصر من شمعه  .
العنوان الفرعي ( صفحات من الذاكرة ) الصفحة هي أحد وجهي الورقة ، والذَّاكِرَةُ : قدرةُ النَّفْس على الاحتفاظ بالتجارب السابقة واستعادتها .
مساءلة العنوان :
تفتح عتبة العنوان جملة من الأسئلة تشوق المتلقي للبحث عن إجاباتها في بهو النص ودهاليزه ، والأسئلة الأولية تدور حول تفكيك الاستعارة ، فشهد العسل له أقراص ، فكيف يكون له أوراق ؟ أم هو مجاز يوحي بأننا سنقرأ ذكريات أيام جميلة معسولة كالشهد ؟
العنوان الفرعي الذي يوظف عادة لإضافة تعريف بماهية العمل الأدبي يشير إلى أنها مذكرات ، فهل سنقرأ جزءا من السيرة الذاتية للكاتبة ؟ أم هو مخاتل يشير إلى نص تخيلي ؟ ثم الأوراق ثنائية الوجوه ، والصفحات أحادية الوجه ، فهل جاءت التسمية اعتباطية أم قصدية ؟ ولماذ لم تصرح صفحة العنوان بجنس النص المكتوب ؟
ويستدعي العنوان غالبا مماثلاته من عناوين في ذهن المتلقي ، نعرف ـ كما تعرف الكاتبة ـ عنوان ( أوراق الورد .. رسائله ورسائلها ) للكاتب مصطفى صادق الرافعي وهو كتاب كما وصفه صاحبه في فلسفة الجمال والحب ، فهل سنقرأ نصا مقاربا في المضمون ؟ ونعرف مسلسلا مشهورا حمل عنوان ( أوراق الورد ) تنازع فيه الوالدان طفلهما بعد الطلاق، فهل سنقرأ قصة اجتماعية عن بريء هو ضحية نزاع الآخرين ؟ 
ثم الرافعي يقدم لنا علة تسمية كتابه في السطر الأول : " هذا كتاب أوراق الورد .. فحدثني من حدّث في سبب هذه التسمية قال :  كانت معها ذات يوم وردة ، لا أدري أيتها تستنشق الأخرى.. فجعلت لها حفاوتها تلمسها مرة صدرها ومرة شفتيها، والوردة بين ذلك كأنما تنمو في شعاع وندى إذا رأيتها وقد تفتحت وتهدلت حتى لحسبت أنها قد حالت أوراقها شفاهها الظمأى " فهل ستعلل الكاتبة تسمية كتابها على أسلوب القدماء ، أم تتركها مفتوحة لاجتهادات المتلقين؟
العنوان والنص : الأسئلة والإجابات :
نقرأ النص فنجد في الصفحة العاشرة " أنا شهد العابد شهدك يا محمد " مبكرا تكشف الكاتبة أن شهد اسم بطلة النص ، طالبة جامعية ملتزمة دينيا تقع في حب طاهر عفيف مختوم عن شوائب الشهوة والجسدية مع زميلها الطالب محمد عبد الرحمن الشاب المتدين الذي يقرأ أشعار جميل بثينة و نزار قباني ، الناشط الطلابي المتفوق أكاديميا ، المقاوم  البار بأهله ، ثم الكامل شهيدا .
" كيف لا أستطيع الآن إلا أن أراك كاملا !؟ أنت محمد شهيدها الجميل التقي ، اخترت أن تشارك كل هذا الجمال في روحك مع كل من يعيشون على أرض الوطن " . ( ص 66 ) 
  وما سنقرؤه في الآتي من الأوراق هو قصة هذا الحب ذي الطابع العذري المتعالي عن الوصف الحسي ورجس الشهوة ، حيث واقع اللقاء فقط في مكتبة الجامعة ، وأمل التلاقي في الجنة .
ويقلب القارئ أوراق الكتاب فيجد حلاوة شهد العسل المختوم في علاقة ملائكية تربط أنثى بذكر، علاقة تكسر قاعدة الفجور السائدة في الكثير من الروايات التي عبر عنها أحدهم بقوله : " من أراد أن يكتب رواية بلا جنس فلينشرها على المريخ .. " علاقة تعبر عن تعانق أرواح الجنود المجندة التي تعارفت فأتلفت ،  وتحاببت في الله فارتقت مدراج العشق العذري ، وانتهت بالعرس الفلسطيني حيث لا يلتقي الحبيب بالحبيب إلا شهيدا .. وهو عرس القداسة الإيمانية يزف فيه الحبيبان في جنات الخلد . 
أوراق شهد وأوراق الشهد :
أوراق شهد البطلة هي سردها الممتد عبر النص ، تشرح خلالها تطور هذه العلاقة الحميمة من خلال السرد المباشر والحوار والشعر. أما أوراق الشهد فتتمثل في ذلك الكم الكبير من البطاقات البنفسجية التي كتبها محمد في مناسبتين ، فقد كتب مائتين وخمسين بطاقة في صندوق الهدية بمناسبة سفر البطلة القصير، وكتب ستين بطاقة في صندوق الوصية قبل استشهاده ، اشتملت كل بطاقة على بيت شعري يلائم حالة الوجد والعشق العذرية ، فيها أشعار لشعراء عذريين مثل ابن الأحنف وقيس لبنى وجميل بثينة وعروة بن حزام وبعضها فيه أبيات لنزار قباني والمتنبي وجرير وغيرهما ، قرأنا في الكتاب ثلاث عشرة بطاقة ، كان لهذه البطاقات تناص موازي بصري ودلالي للعنوان الرئيس ، وهذه تقنية تحسب للكاتبة .
أما العنوان الفرعي ( صفحات من الذاكرة ) كان فضلة ؛ شوش القراءة ، ولم يضف شيئا للعنوان الرئيس
أوراق الحب العذري الفلسطيني :
نقرأ في كتب التراث النقدي المفاضلة المشهورة :
قال الشاعر الأول :  أَهِـيمُ بِـدَعْـدٍ ما حَـيِـيـتُ فإنْ أَمُـتْ       فواحزَني من ذا يَهِيمُ بها بعدي؟!
قال الثاني بل :      أَهِـيمُ بِـدَعْـدٍ ما حَـيِـيـتُ فإنْ أَمُـتْ       أكفـل بها من يهيـم بهـــــــــا بعدى 
قال الثالث بل :     أَهِـيمُ بِـدَعْـدٍ ما حَـيِـيـتُ فإنْ أَمُـتْ       فلا صَـلحَـتْ دَعْـدُ لِـذِي خـلَّـةٍ بَـعْـدي
عد السامعون موقف الشاعر الثاني أسوء المواقف ، والموقف الثالث هو الأنسب ، جاء في أوراق الشهد خيار الرجل الكامل والشهيد المتكامل منحازا للخيار الثاني ، ففي أوراق الشهد نص لرسالة هي وصية الشهيد ، وأهم ما جاء فيها خطاب يوصي به الشهيد  صديقه حسام وأخيه في الله كما يصفه بأن يقوم مقامه مع شهد : " أوصيك بقلب تركته خلفي سيدمى وستتعبه أصداء الأنين .. " ( صفحة 152 ) .
هنا تكشف لنا الأوراق حب فريد ، حب غير أناني ، لا تريد حرق المرأة بعد زوجها ، فلا يتمنى الحبيب أن يموت دون حبيبه أو معه ، بل يريد لحبيبه أن يواصل حياته الخاصة ، ويبقى حبه عذري الواقع سماوي الطموح . فتتزوج شهد حساما بشرط واحد أن تسمي الولد الأول محمدا وفاء وتعبيرا عن استمرارية العطاء والتضحية .
أما قبل :
أوراق الورد للرافعي كتاب في فلسفة الحب والجمال ، وأوراق الشهد لفاطمة كتاب في فلسفة الحب والوطن ، والشهد من الورد ، ولكل شهدٍ مذاق ولون ، ولأن الورد الفلسطيني من لون دماء عاشقيه جاءت الخاتمة مختلفة ، وكأنها تقول : ..  وختامه مسك الشهداء .


1/حزيران / 2016