الجمعة، 3 يونيو 2016

رواية فرس العائلة

رواية فرس العائلة
قراءة في عتبة العنوان
بقلم : فرج المالكي 
توطئة :

فرس العائلة عنوان لرواية الكاتب محمود شقير ، صدرت عن دار نوفل في بيروت عام 2013 ، وعرفت بأنها الرواية الأولى للكاتب بعد انتاج قصصي غزير تواصل خلال ثلاثين عاما .
تحكي الرواية في 336 صفحة رحلة عشيرة العبد اللات البدوية التي تسكن برية القدس غربا نحو المدينة لتسكن في قرية تؤسسها وتسميها ( راس النبع ) وتغطي الفترة الزمنية الممتدة من أواخر العصر العثماني عبر الاحتلال الإنجليزي في الأربعينيات ، منذ الجد الأول الحاج عبد الله الذي يقتل وتنتقل زعامة العشيرة بعده لابنه الشيخ محمد ومنه لابنه المختار منّان الذي يتخذ قرارا بالرحيل عن البرية .

قراءة أفقية في العنوان :
عنوان ( فرس العائلة ) مركب إضافي خبر لجملة اسمية ،  الفرس فيه مكوِّن فاعل والعائلة أيضا مكوِّن فاعل .
في الدلالة المعجمية : الفرس هي انثى الخيل ، والعائلة أَهل بَيت، رَجُل وزوجته وأولاده وأقاربه لأبيه ومَن تكفَّل بهم .
يرسم العنوان بخط طباعي على غلاف تهيمن عليه لوحة فوتوغرافية لفتاة ملثمة بحجاب أحمر اللون ، مما يجعل ذهن القارئ ينصرف إلى أن العنوان سيحكي قصة فتاة ، وظيفته الأساسية كشف أسرارها .
نمط العنوان بشكله القائم ولوحة الغلاف تحيل المتلقي إلى نمط العنوان الروائي الكلاسيكي .

أسئلة العنوان الأولية :
الفرس في الوعي الجمعي رمز من رموز العز والجاه والثراء والسلطة، مثال الجمال والرشاقة ، تتمثل فيها قيم الوفاء والنبل ، وهي أيضا من رموز الخصوبة . فعن أي فرس سنقرأ في النص المتوالد من هذا العنوان ؟  ثم هي فرس العائلة ، فهي ليست فرس حرب ، ولا فرس سباق أو رهان ، ولا فرس النهر بل فرس العائلة ، والعائلة لها أفرادها وأرضها وبيتها ، ولها بطولاتها وهزائمها ، لها انجازاتها وخساراتها ، فأي العائلات هي تلك التي كانت فرسها هي عنوانها لكي تستأثر بأهم محطاتها وسماتها ؟
وهنا يأتي العنوان من مكونين فاعلين ، فأيهما الأكثر عملا في الثاني ؟ هل الفرس هي سبب وجود العائلة ، أم العائلة هي سبب وجود الفرس ؟ هل الفرس هي التي توجه مسارات العائلة ؟ أم العائلة هي التي كونت ماهية الفرس ؟

تجسد العنوان في النص :
تظهر الفرس في النص في صفحاته الأولى ، ولكن فرس العائلة تتأخر وتظهر في نهاية الفصل الأول الصفحة ( 34 ) لإ فيكشف النص عنها ، لنكتشف أن الجد عبد الله بينما كان يرد عين الماء برز له عدد من فرسان عشيرة الفرارجة واشتبكوا معه وأردوه قتيلا ، ثم لاذوا بالفرار ، وذلك بسبب الصراع الدائم بين العشيرتين على المراعي وموارد المياه ، وظلت فرسه تحمحم حول جثته ولما تأكدت أنه مات انطلقت تثير النقع وراءها ولم تتوقف إلا أمام مضارب عشيرته ، فعرف ابنه محمد أن والده قتل فانطلق يأخذ بثأر أبيه ، ويدور صراع ينتهي بالصلح . ولكن ابنه منّان ظل يعتقد أنه لم يأخذ بثأر أبيه كما يجب .  
بعد هذه الحادثة تختفي الفرس في ظروف غامضة ، بحثت عنها العشيرة في الفيافي والقفار فلم تجد لها أثرا ، ولكن الفرس لم تنقطع عن زيارة العشيرة ، تأتي مرة على حقيقتها ، وتأتي مرة على شكل كائن خرافي يسد الأفق ، وتأتي مرة على شكل جنيّة ، وتأتي في الأحلام ، ويسمع الناس صهيلها يتردد في الوديان . وفي ختام الرواية تنادي صبحاء أم المختار منان وزوجة الحاج محمد : هاتوا لي فرس العيلة .. بدي فرس العيلة .

تعالق العنوان والنص :
أول ظهور للفرس في الرواية جاء في الصفحة ( 12 ) عند وصف لقاء جسدي حميم بين المختار منان وإحدى زوجاته الست : " بعد أن تنشر العتمة رداءها الخفيف على البرية تحت قمر متلألئ في السماء…يسارع منّان إلى زوجته المستلقية في فراشها، يعريها بلا استعصاء كما لو أنها كانت تنتظره، يتلألأ جسدها تحت النور الخافت الذي يرسله القمر، يلتحم بها وهي تحمحم مثل فرس…’
يذكرنا هذا الوصف مع وصف فرس العائلة عند جثة الشيخ عبد الله القتيل عند عين الماء في الصفحة ( 35) : " تحمحم بالقرب من جثته ، وحين اشتمت رائحة دمه المتخثر ، راحت تشب رافعة قائمتيها الأماميتين إلى أعلى كأنها تطلب النجدة ، وحينما لم يصل أحد ، انطلقت تعدو مثيرة النقع خلفها ، ولم تتوقف إلا أمام مضارب العشيرة " .
في الفصل الثاني هناك شرح لما عرف ( ليلة النار ) في تلك الليلة ظهرت الفرس ، ووقفت عن مربطها لعل أحدا يقدم لها عليقها أو يلاطفها فلم يقترب منها أحد ، وبعد ثلاثة أيام انطلقت تعدو عبر الغبش الداكن ، العشيرة برجالها ونسائها أقامت حفلة رقصت فيها النساء أمام الرجال ، وانتهت الحفلة بإقامة طقوس زواج لسبع زيجات، والمختار منان مارس طقس العبور على تلة في الهواء الطلق .
وتقدم لنا الرواية تفسيرا لهذا الشبق الممتد في الكثير من مشاهدها ، مشاهد قد تزيد على الثلاثين مشهدا ، ومشاهد الجنس تتنوع أيضا لتشمل معظم الشخوص والكثير من الأماكن :على تلة ، على بيدر الكرسنة ، على الأرض المحروثة ، في بيوت الشعر ، في بيوت الدعارة في تل أبيب ... وتظهر عشيرة العبداللات " عشيرة كل رجالها يعبدون الفرج " .
هنا تصير ( فرس العائلة ) رمزا للشهوة الجامحة التي لا تعترف بمحرمات دينية ولا محظورات اجتماعية ، وذلك لأن المختار منّان ابن شيخ القبيلة المغدور عجز عن الثأر من قتلة أبيه ، ثم ورث ابنه محمد زعامة العشيرة، ‘فاعتقد أن دماء أبيه ذهبت هدراً، وبات يؤرقه الإحساس بضعف عشيرته أمام الغرباء، فقرر الإكثار من الزوجات، لاستيلادهن أعداداً كبيرة من الأولاد "  (ص. 36) .
أما قبل :

فرس العائلة هي فرس الشهوة التي تنطلق من عقالها متجاوزة كل الحدود ، وكاسرة لكل الأعراف ، فرس تحمل على صهوتها نصا روائيا يرتكز على المشاهد الجنسية المبالغ فيها ، فإذا كان مجموع عدد شخوص الرواية قريبا من تسعين شخصية ، وعدد المشاهد الجنسية في حدود ثلاثين مشهدا ، فهذا يعني مشهدا لكل ثلاث شخصيات ، فهل يلام من يرى أن الفرس كانت في الرواية رمزا للخصوبة البوهيمية ؟! 
3 / حزيران / 2016 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق