أوراق الشـــهد
قراءة في عتبة العنوان
بقلم : فرج المالكي
بقلم : فرج المالكي
توطئة :
( أوراق الشهد.. صفحات من الذاكرة ) الإصدار الأول للكاتبة فاطمة باجس ،
صدر عن دار الفتح للنشر والتوزيع في عمان عام 2016 . صورة الغلاف
لمرأة متوشحة بالسواد تحتضن كوفية فلسطينية ، والإهداء : إليه في اغترابها و إليه
في انتظارها ، تخلو صفحة الغلاف من تعيين جنس العمل الأدبي مباشرة ، بينما أشارت إليه الكاتبة على موقعها أكثر من مرة بأنه قصة . وهي من حيث الحدث أقرب إلى القصة القصيرة .
الدلالة المعجمية في العنوان :
العنوان الرئيس( أوراق الشهد )
مكوِّن شيئي من المضاف والمضاف إليه ، الأوراق جمع كثرة ، والورقة في الدلالة
المعجمية عبارة عن صفحتين متتاليتين وجه وظهر.
المكوِّن الإضافي الثاني للعنوان ( الشهد ) بفتح الشين أو ضمها في لسان
العرب عسل النحل ما دام لم يعصر من شمعه .
العنوان الفرعي ( صفحات من الذاكرة ) الصفحة هي أحد وجهي الورقة ، والذَّاكِرَةُ
: قدرةُ النَّفْس على الاحتفاظ بالتجارب السابقة واستعادتها .
مساءلة العنوان
:
تفتح عتبة
العنوان جملة من الأسئلة تشوق المتلقي للبحث عن إجاباتها في بهو النص ودهاليزه ،
والأسئلة الأولية تدور حول تفكيك الاستعارة ، فشهد العسل له أقراص ، فكيف يكون له
أوراق ؟ أم هو مجاز يوحي بأننا سنقرأ ذكريات أيام جميلة معسولة كالشهد ؟
العنوان الفرعي
الذي يوظف عادة لإضافة تعريف بماهية العمل الأدبي يشير إلى أنها مذكرات ، فهل
سنقرأ جزءا من السيرة الذاتية للكاتبة ؟ أم هو مخاتل يشير إلى نص تخيلي ؟ ثم
الأوراق ثنائية الوجوه ، والصفحات أحادية الوجه ، فهل جاءت التسمية اعتباطية أم
قصدية ؟ ولماذ لم تصرح صفحة العنوان بجنس النص المكتوب ؟
ويستدعي العنوان
غالبا مماثلاته من عناوين في ذهن المتلقي ، نعرف ـ كما تعرف الكاتبة ـ عنوان (
أوراق الورد .. رسائله ورسائلها ) للكاتب مصطفى صادق الرافعي وهو كتاب كما وصفه
صاحبه في فلسفة الجمال والحب ، فهل سنقرأ نصا مقاربا في المضمون ؟ ونعرف مسلسلا
مشهورا حمل عنوان ( أوراق الورد ) تنازع فيه الوالدان طفلهما بعد الطلاق، فهل سنقرأ
قصة اجتماعية عن بريء هو ضحية نزاع الآخرين ؟
ثم الرافعي يقدم
لنا علة تسمية كتابه في السطر الأول : " هذا كتاب أوراق الورد .. فحدثني من
حدّث في سبب هذه التسمية قال : كانت معها
ذات يوم وردة ، لا أدري أيتها تستنشق الأخرى.. فجعلت لها حفاوتها تلمسها مرة صدرها
ومرة شفتيها، والوردة بين ذلك كأنما تنمو في شعاع وندى إذا رأيتها وقد تفتحت
وتهدلت حتى لحسبت أنها قد حالت أوراقها شفاهها الظمأى " فهل ستعلل الكاتبة
تسمية كتابها على أسلوب القدماء ، أم تتركها مفتوحة لاجتهادات المتلقين؟
العنوان والنص
: الأسئلة والإجابات :
نقرأ النص فنجد
في الصفحة العاشرة " أنا شهد العابد شهدك يا محمد " مبكرا تكشف الكاتبة
أن شهد اسم بطلة النص ، طالبة جامعية ملتزمة دينيا تقع في حب طاهر عفيف مختوم عن
شوائب الشهوة والجسدية مع زميلها الطالب محمد عبد الرحمن الشاب المتدين الذي يقرأ
أشعار جميل بثينة و نزار قباني ، الناشط الطلابي المتفوق أكاديميا ، المقاوم البار بأهله ، ثم الكامل شهيدا .
" كيف لا
أستطيع الآن إلا أن أراك كاملا !؟ أنت محمد شهيدها الجميل التقي ، اخترت أن تشارك
كل هذا الجمال في روحك مع كل من يعيشون على أرض الوطن " . ( ص 66 )
وما
سنقرؤه في الآتي من الأوراق هو قصة هذا الحب ذي الطابع العذري المتعالي عن الوصف
الحسي ورجس الشهوة ، حيث واقع اللقاء فقط في مكتبة الجامعة ، وأمل التلاقي في
الجنة .
ويقلب القارئ
أوراق الكتاب فيجد حلاوة شهد العسل المختوم في علاقة ملائكية تربط أنثى بذكر،
علاقة تكسر قاعدة الفجور السائدة في الكثير من الروايات التي عبر عنها أحدهم بقوله
: " من أراد أن يكتب رواية بلا جنس فلينشرها على المريخ .. " علاقة تعبر
عن تعانق أرواح الجنود المجندة التي تعارفت فأتلفت ، وتحاببت في الله فارتقت مدراج العشق العذري ،
وانتهت بالعرس الفلسطيني حيث لا يلتقي الحبيب بالحبيب إلا شهيدا .. وهو عرس
القداسة الإيمانية يزف فيه الحبيبان في جنات الخلد .
أوراق شهد
وأوراق الشهد :
أوراق شهد
البطلة هي سردها الممتد عبر النص ، تشرح خلالها تطور هذه العلاقة الحميمة من خلال
السرد المباشر والحوار والشعر. أما أوراق الشهد فتتمثل في ذلك الكم الكبير من
البطاقات البنفسجية التي كتبها محمد في مناسبتين ، فقد كتب مائتين وخمسين بطاقة في
صندوق الهدية بمناسبة سفر البطلة القصير، وكتب ستين بطاقة في صندوق الوصية قبل
استشهاده ، اشتملت كل بطاقة على بيت شعري يلائم حالة الوجد والعشق العذرية ، فيها
أشعار لشعراء عذريين مثل ابن الأحنف وقيس لبنى وجميل بثينة وعروة بن حزام وبعضها
فيه أبيات لنزار قباني والمتنبي وجرير وغيرهما ، قرأنا في الكتاب ثلاث عشرة بطاقة
، كان لهذه البطاقات تناص موازي بصري ودلالي للعنوان الرئيس ، وهذه تقنية تحسب
للكاتبة .
أما العنوان
الفرعي ( صفحات من الذاكرة ) كان فضلة ؛ شوش القراءة ، ولم يضف شيئا للعنوان
الرئيس
أوراق الحب
العذري الفلسطيني :
نقرأ
في كتب التراث النقدي المفاضلة المشهورة :
قال
الشاعر الأول : أَهِـيمُ بِـدَعْـدٍ ما
حَـيِـيـتُ فإنْ أَمُـتْ فواحزَني من
ذا يَهِيمُ بها بعدي؟!
قال
الثاني بل : أَهِـيمُ بِـدَعْـدٍ ما حَـيِـيـتُ فإنْ أَمُـتْ
أكفـل بها من يهيـم بهـــــــــا
بعدى
قال
الثالث بل : أَهِـيمُ بِـدَعْـدٍ ما حَـيِـيـتُ فإنْ
أَمُـتْ فلا صَـلحَـتْ دَعْـدُ
لِـذِي خـلَّـةٍ بَـعْـدي
عد السامعون
موقف الشاعر الثاني أسوء المواقف ، والموقف الثالث هو الأنسب ، جاء في أوراق الشهد
خيار الرجل الكامل والشهيد المتكامل منحازا للخيار الثاني ، ففي أوراق الشهد نص
لرسالة هي وصية الشهيد ، وأهم ما جاء فيها خطاب يوصي به الشهيد صديقه حسام وأخيه في الله كما يصفه بأن يقوم
مقامه مع شهد : " أوصيك بقلب تركته خلفي سيدمى وستتعبه أصداء الأنين ..
" ( صفحة 152 ) .
هنا تكشف لنا
الأوراق حب فريد ، حب غير أناني ، لا تريد حرق المرأة بعد زوجها ، فلا يتمنى
الحبيب أن يموت دون حبيبه أو معه ، بل يريد لحبيبه أن يواصل حياته الخاصة ، ويبقى
حبه عذري الواقع سماوي الطموح . فتتزوج شهد حساما بشرط واحد أن تسمي الولد الأول
محمدا وفاء وتعبيرا عن استمرارية العطاء والتضحية .
أما قبل :
أوراق الورد
للرافعي كتاب في فلسفة الحب والجمال ، وأوراق الشهد لفاطمة كتاب في فلسفة الحب
والوطن ، والشهد من الورد ، ولكل شهدٍ مذاق ولون ، ولأن الورد الفلسطيني من لون
دماء عاشقيه جاءت الخاتمة مختلفة ، وكأنها تقول : .. وختامه مسك الشهداء .

يسعدني ويشرفني رايك يا أستاذ.
ردحذف