" لا
شيء يسـتدعي الأناقة "
للكاتبة منى نعمة الله النابلسي
أسئلة العنوان
وإجابات النص
يقدم العنوان الأدبي جملة من الوظائف للسرد القصصي جعلها الدارسون في مستويين : الأول ابتدائي ، يجد تعبيره في وظيفة التسمية
التي تمييزه عن غيره من النصوص ، ووظيفة الإغراء حيث يستفيد من فضول المتلقي
للمعرفة فيغريه بشراء الكتاب وقراءته ، والوظيفة الجمالية من خلال اللون وشكل
الحروف ، والوظيفة البصرية التي تتمركز في الفضاء المكاني والطباعي . والثاني
تناصي ، يتمثل في وظيفة التعيين حيث يقوم العنوان بتعيين جنس النص وهويته ، ووظيفة
الدلالة التي يتم من خلالها الإشارة للمحتوى فالعنوان هو اعتصار واختصار لنص قادم
، والوظيفة التواصلية التي تهدف إلى تأكيد التواصل مع النص ، من خلال هذه الوظائف
يثير العنوان جملة من الأسئلة التي تبحث عن إجاباتها في النص .
العنوان الرئيس تصدر لوحة الغلاف بلون رمادي ، على أرضية
صفراء زينت برسم لملامح وجه نستطيع قراءة كلمة " النصر " في تشكيلها ، فهل
الشخوص في النص يحترقون فيصيرون رمادا ويكتبون بحبر رمادهم انتصارهم ؟ أم أن شخوص
القصص تسير من الحياد إلى الفعل من أجل تشكيل طموح النصر و يتحول البطل المفترض من
اللامنتمي إلى المنتمي وبذلك ينتصر ؟
في القصص ( أعتذر عن وجهي المشوه ) و( رائحة الورد ) و(
لحم في الثلاجة ) إحالة إلى الافتراض الأول ، وفي القصص ( اللقاء الأول مع صاروخ )
و ( رسالة من تحت الأقدام ) و( لا شيء يستدعي الأناقة ) ( هندسة الألم ) إحالة إلى الافتراض الثاني ، أما قصة ( ذات
مجزرة ) فهي تستوعب الافتراضين .
النص الحاضر في عنوان ( لا شيء يستدعي الأناقة ) يستحضر
نصا غائبا يتمثل في سؤال : ما هي الأشياء التي تستدعي الأناقة ؟ ولماذا غابت هذه
الأشياء ؟ وكيف غابت ؟ ومن المسؤول عن غيابها ؟
في واقعنا نلمس العلاقة المباشرة بين الأناقة والمراسيم
الاحتفالية المقترنة بالفرح والنجاح والانتصار ، ولا يعرف واقعنا أناقة الجنائز
كما عند غيره ، فإذا غابت المراسيم الاحتفالية غاب الدافع الحقيقي للأناقة ، إذا
فقد غاب الفرح الخاص والعام ، وغاب الدافع للأناقة ، والمؤول عن غيابها هو واقع
الاشتباك المتواصل ونتائجه ، واقع المعاناة المبثوث في كل مفاصل حياة الشخوص من
موت ورحيل وحصار وقفز عن الحواجز .
يتكون العنوان من مركب شيئي منفي هو ( لا شيء) ومن مركب
حدثي ( يستدعي ) ومن مركب وصفي ( الأناقة ) ، والمركب الأخير يحتاج لسبر أغواره لمركزيته ،
فما دلالة الأناقة ؟
الدلالة المعجمية للأناقة تشير إلى الحُسن المُعْجَب،
فما دلالته في المتخيل القصصي ؟
في القصة الثانية عشرة التي تحمل عنوان ( لا شيء يستدعي
الأناقة نقرأ النصوص التالية :
" لا بد أن أكتب شيئا ، لا رغبة في الشفاء ولا
البكاء ، بل لأنني أريد التحدث إليك أيها الوطن ، لأقول لك بأن لا شيء يستدعي
الأناقة " ( ص 66 ) .
ويتوقف الوطن عن الأنين قليلا ، ويبالغ في الأناقة يداري
بها وجعه تحت ثقل دباباتهم " ( ص 66 ) .
" فأعود أهمس لك كي لا يعرفوا لغتي : لا شيء يستدعي
الأناقة ، إنها وليمة للموت على شرفك أنت " ( ص 68 ) .
" جاهلة بكل أسرار الأنوثة ، لا أعرف أين يُرش
العطر لليلة حزن ، فلا شيء يستدعي الأناقة ، لا شيء يستدعي الكذب ، لا شيء يستدعي
البكاء " . ( ص 68 ) .
لا وقت للأنوثة فلا وقت للأناقة ، والمدعو إلى وليمة
الموت ليس عنده الرغبة في التأنق ، فالموت فظيع بشع لا يمكن تزييفه ، لأن الأناقة
قرينة الكذب في مثل هذه الحالات الصارخة بقوة صدقها وفجيعتها .
" لا شيء يستدعي الأناقة " العنوان الرئيس
للمجموعة القصصية هو بالأصل عنوان فرعي للقصة الثانية عشرة ، فما مدى مركزية هذا
العنوان وهيمنته على جو القصص العام ؟ وهل يستطيع أن يقوم بدور التواصل والتكثيف
لبقية مواضيع قصص المجموعة ؟
الأشلاء الممزقة في قصة ( أعتذر عن وجهي المشوه ) تستدعي
تجميعها ووصلها ببعض أولا ، ليسهل حملها وزرها في الأرض ، ولا تحتاج لمكياج وربطة
عنق ومستلزمات الأناقة ، والرحيل المفاجئ في القصة الثانية يحتاج على تجهيز
الضروريات ولا وقت يسمح بالأناقة ، ولا يحتاج المعتقل الإداري للأناقة وقد جدد له
الاعتقال في ( اللحظة ما بعد الأخيرة ) ، ولا الأم في لحظة الولادة وقد فقدت
طفلتها في ( هندسة الألم ) ولا من يجتاز الحواجز ويسلك الطرق الوعرة في ( سباق
الزحف على الحواجز ) ، العنوان الرئيس جاء مهيمنا على ومستوعبا لأغلب القصص في
المجموعة ، وذلك لأن السارد يقف على ذات الأطلال ويلتقط نماذج المعاناة في المشهد
الواحد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق