السبت، 8 أبريل 2017


" لا شيء يسـتدعي الأناقة " 
للكاتبة منى نعمة الله النابلسي


أسئلة العنوان وإجابات النص


يقدم العنوان الأدبي جملة من الوظائف للسرد  القصصي جعلها الدارسون في مستويين  : الأول ابتدائي ، يجد تعبيره في وظيفة التسمية التي تمييزه عن غيره من النصوص ، ووظيفة الإغراء حيث يستفيد من فضول المتلقي للمعرفة فيغريه بشراء الكتاب وقراءته ، والوظيفة الجمالية من خلال اللون وشكل الحروف ، والوظيفة البصرية التي تتمركز في الفضاء المكاني والطباعي . والثاني تناصي ، يتمثل في وظيفة التعيين حيث يقوم العنوان بتعيين جنس النص وهويته ، ووظيفة الدلالة التي يتم من خلالها الإشارة للمحتوى فالعنوان هو اعتصار واختصار لنص قادم ، والوظيفة التواصلية التي تهدف إلى تأكيد التواصل مع النص ، من خلال هذه الوظائف يثير العنوان جملة من الأسئلة التي تبحث عن إجاباتها في النص .



العنوان الرئيس تصدر لوحة الغلاف بلون رمادي ، على أرضية صفراء زينت برسم لملامح وجه نستطيع قراءة كلمة " النصر " في تشكيلها ، فهل الشخوص في النص يحترقون فيصيرون رمادا ويكتبون بحبر رمادهم انتصارهم ؟ أم أن شخوص القصص تسير من الحياد إلى الفعل من أجل تشكيل طموح النصر و يتحول البطل المفترض من اللامنتمي إلى المنتمي وبذلك ينتصر ؟

في القصص ( أعتذر عن وجهي المشوه ) و( رائحة الورد ) و( لحم في الثلاجة ) إحالة إلى الافتراض الأول ، وفي القصص ( اللقاء الأول مع صاروخ ) و ( رسالة من تحت الأقدام ) و( لا شيء يستدعي الأناقة ) ( هندسة الألم )  إحالة إلى الافتراض الثاني ، أما قصة ( ذات مجزرة ) فهي تستوعب الافتراضين .



النص الحاضر في عنوان ( لا شيء يستدعي الأناقة ) يستحضر نصا غائبا يتمثل في سؤال : ما هي الأشياء التي تستدعي الأناقة ؟ ولماذا غابت هذه الأشياء ؟ وكيف غابت ؟ ومن المسؤول عن غيابها ؟

في واقعنا نلمس العلاقة المباشرة بين الأناقة والمراسيم الاحتفالية المقترنة بالفرح والنجاح والانتصار ، ولا يعرف واقعنا أناقة الجنائز كما عند غيره ، فإذا غابت المراسيم الاحتفالية غاب الدافع الحقيقي للأناقة ، إذا فقد غاب الفرح الخاص والعام ، وغاب الدافع للأناقة ، والمؤول عن غيابها هو واقع الاشتباك المتواصل ونتائجه ، واقع المعاناة المبثوث في كل مفاصل حياة الشخوص من موت ورحيل وحصار وقفز عن الحواجز .



يتكون العنوان من مركب شيئي منفي هو ( لا شيء) ومن مركب حدثي ( يستدعي ) ومن مركب وصفي ( الأناقة )  ، والمركب الأخير يحتاج لسبر أغواره لمركزيته ، فما دلالة الأناقة ؟

الدلالة المعجمية للأناقة تشير إلى الحُسن المُعْجَب، فما دلالته في المتخيل القصصي ؟

في القصة الثانية عشرة التي تحمل عنوان ( لا شيء يستدعي الأناقة نقرأ النصوص التالية :

" لا بد أن أكتب شيئا ، لا رغبة في الشفاء ولا البكاء ، بل لأنني أريد التحدث إليك أيها الوطن ، لأقول لك بأن لا شيء يستدعي الأناقة " ( ص 66 ) .

ويتوقف الوطن عن الأنين قليلا ، ويبالغ في الأناقة يداري بها وجعه تحت ثقل دباباتهم " ( ص 66 ) .

" فأعود أهمس لك كي لا يعرفوا لغتي : لا شيء يستدعي الأناقة ، إنها وليمة للموت على شرفك أنت " ( ص 68 ) .

" جاهلة بكل أسرار الأنوثة ، لا أعرف أين يُرش العطر لليلة حزن ، فلا شيء يستدعي الأناقة ، لا شيء يستدعي الكذب ، لا شيء يستدعي البكاء " . ( ص 68 ) .

لا وقت للأنوثة فلا وقت للأناقة ، والمدعو إلى وليمة الموت ليس عنده الرغبة في التأنق ، فالموت فظيع بشع لا يمكن تزييفه ، لأن الأناقة قرينة الكذب في مثل هذه الحالات الصارخة بقوة صدقها وفجيعتها .

" لا شيء يستدعي الأناقة " العنوان الرئيس للمجموعة القصصية هو بالأصل عنوان فرعي للقصة الثانية عشرة ، فما مدى مركزية هذا العنوان وهيمنته على جو القصص العام ؟ وهل يستطيع أن يقوم بدور التواصل والتكثيف لبقية مواضيع قصص المجموعة ؟

الأشلاء الممزقة في قصة ( أعتذر عن وجهي المشوه ) تستدعي تجميعها ووصلها ببعض أولا ، ليسهل حملها وزرها في الأرض ، ولا تحتاج لمكياج وربطة عنق ومستلزمات الأناقة ، والرحيل المفاجئ في القصة الثانية يحتاج على تجهيز الضروريات ولا وقت يسمح بالأناقة ، ولا يحتاج المعتقل الإداري للأناقة وقد جدد له الاعتقال في ( اللحظة ما بعد الأخيرة ) ، ولا الأم في لحظة الولادة وقد فقدت طفلتها في ( هندسة الألم ) ولا من يجتاز الحواجز ويسلك الطرق الوعرة في ( سباق الزحف على الحواجز ) ، العنوان الرئيس جاء مهيمنا على ومستوعبا لأغلب القصص في المجموعة ، وذلك لأن السارد يقف على ذات الأطلال ويلتقط نماذج المعاناة في المشهد الواحد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق