الخميس، 14 يوليو 2016

الاستعارة التنافرية في عنوان الرواية الفلسطينية


الاستعارة التنافرية

في عنوان الرواية الفلسطينية

فرج المالكي / رام الله



الاستعارة هي مادة الشعر الأولى ، وجوهرته النادرة ، تسابق الشعراء في الغوص في بحر اللغة بحثا عنها ، والمفارقة هي مادة القصة الأولى طريدة المتخيل السردي ، وضالة القاص والروائي ، وهما معا جناحان يحلق بهما الكاتب في سماء الإبداع ، ويضمن خلوده .

ومن أنماط المفارقة في القصة لون يعرف بـ (الثنائية الضدية) أو (مزج المتناقضات) ، وهي في الشعر (الاستعارة التنافرية) أو ( الاستعارة العنادية ) أو ( الاستعارة التضادية ) ، وكل هذه المصطلحات تعني مفهوماً واحداً هو "صورة بلاغية تقوم على  الجمع بين شيئين متنافرين لا علاقة تجمع بينهما.

قسّم البيانيُّون الاستعارة بالنظر إلى المضمون الفكريّ للمستعار له والمستعار منه، إلى قسمين:

العنادية هي التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد لتنافيهما مثل قولنا ( عتمة النهار) لأنه لا يمكن اجتماع العتمة والنهار في شيء واحد..

 الوفاقية هي التي يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد لعدم التنافي مثل قولنا أنوار الهدى ، فمن نور الله عليه هداه .

وردت الاستعارة التنافرية في الشعر قديما ، مثل :  

يبشرني الغراب ببين أهلي ... فقلت له ثكلتك من بشير   

ومن أمثال الحديث قول محمود درويش : للْحَقيقَة وَجْهان ... وَالثَّلْجُ أَسْود فوق مَدينَتنا .

من خلال رصد بنية العنوان الروائي الفلسطيني البلاغية نلمح ظهور الاستعارة التنافرية في حركة العنونة بعد عام 1984 فقط ، ونكاد لا نجد هذا النمط البياني قبل ذلك ، وظهر ذلك في أربع عناوين هي  :

 ( كوابيس الفرح ) سلوى البنا ، 1984

( قامات الزبد ) إلياس فركوح ، 1987

( وتشرق غربا ) ليلى الأطرش ، 1987

( عطش البحر ) رجب أبو سرية ، 1994

وبعد عام 2000 بدت الاستعارة التنافرية تقنية من تقنيات العنونة في الروائية الفلسطينية من خلال العدد والتنوع ، ومن خلال شغف بعض الكتاب بهذا التعبير الأسلوبي ،  ومنها :

( شمس كانون الحارقة ) عمر حمش

( قبضة غبار ) مي جليلي

 ( رحيل المحطة ) معتز أبو صالح

 ( حصرم الجنة ) عاطف أبو سيف

 ( خميرة الرماد ) حنا أبو حنا

 ( شرفة في قفص ) محمد القيسي

 ( سيرة العقرب الذي يتصبب عرقا ) أكرم مسلم ، والمعروف أن العقرب لا يعرق بتاتا . 

 ( كلمات على رمال متحركة ) مزين برقان

 ( قيتارة الرمل ) توفيق أبو شومر

 ( أمهات في مدفن الأحياء ) وليد الهودلي .

( يعدو بساق واحدة ) سامح خضر  

ونجد الكاتب الروائي جميل السلحوت يتخذ من الاستعارة التنافرية نمطا في عنونة رواياته في السنوات الأخيرة فنقرأ له عناوين مثل : ( ظلام النهار ) و ( جنة الجحيم ) ، ( هوان النعيم ) و ( برد الصيف ) .

لا حظ الدارسون أن عنوان الرواية الجديد صار يميل نحو الشعرية ، وهذا النوع من الاستعارات اتكأ عليه الشعر قديما وتسرب إلى كل مفاصل القصيدة الحديثة ، فظهر على أغلفة الروايات الجديدة .

كما أن الاستعارة في الشعر هي الوجه الآخر للمفارقة في الفن القصصي، من حيث كسر أفق التوقع للإبداع الأدبي .

ويمكن القول أن الاستعارة التنافرية عنوان استحالة من حيث الجمع بين المتناقضات ، وتلك سمة حياة الناس ، فانتقل من البنية التحتية للواقع المتمثلة في حياة الناس اليومية إلى البنية الفوقية المتمثلة في الفكر والايدولوجيا ، تعبيرا عن سرعة التحول من النقيض إلى شده في عصر سمته السرعة .

وإذا كانت أهم وظائف العنوان هي : التعيين والإيحاء والإغواء ، فإن عنوان التضاد يستفز مثيرات الدهشة والتعجب ، يثير عند المتلقي حافزا قويا لفك لغزه وسبر أغواره والتعرف على المفارقة التي أسس عليها السارد عمله الفني .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق