الثلاثاء، 19 يوليو 2016

رواية مدينة الله حسن حميد


عنوان الرواية  
مدينة الله
المؤلف
حسن حميد
الناشر
المؤسسة العربية للدراسات والنشر / 2009
الناقد والمصدر
الدكتور خليل موسى ، مؤسسة القدس للثافة والتراث

ــ "مدينة الله" العنوان والدلالة:
 إذا كانت الدلالة تكمن في باطن التسمية وظاهرها وهي مستقرة تماماً في العناوين غير الانزياحية فإنّها خلاف ذلك في العناوين الأدبية، فالدلالة هنا لا تستقرّ على حال، لأنّها إذا استقرّت تحوّلت إلى نثر، ومن هنا كانت عبارة "مدينة الله" تومئ إلى قارئها ظاهرياً بأنّها المكان الأكثر اطمئناناً واستقراراً وراحة ومحبّة، ولكنّ الرسائل التسع والأربعين التي يتألف منها نسيج الرواية لا تشير إلى ذلك تماماً فصاحب الرسائل لم يكن مطمئناً أو حراً في تجواله وتصرفاته، وقد آل أمره إلى مصير فاجع. نعم هي مدينة الله، وهي مدينة السيّد الذي نشر في دروبها وساحاتها ومعابدها المحبّة والتسامح والبركات، ولكنّ أبناء الأفاعي كانوا لها بالمرصاد وعادوا إليها مرّة أخرى أكثر شراسة ووحشية، وهم مدجّجون بالكراهية والظلام يبثّون أفكارهم السامة في كلّ مكان من العالم، وقد حوّلوا هذه المدينة الوادعة المقدسة إلى ساحات للتعذيب، وإذا كانوا قد همّوا قبل ألفي عام بصلب سيّد هذه المدينة، فإنّهم يصلبون اليوم شعبها، ويقتلعون الأشجار ويهدمون المنازل وينشرون الكراهية في النفوس، ومن هنا فإنّ التسمية مفخّخة بالتساؤل والتحسّر على هذه المدينة التي أرادها الله أن تكون بديلاً من الجنة التي طُرد منها الإنسان الأول، ولكنّ هؤلاء الأوغاد قد أرادوها جحيماً لا يُطاق.
"مدينة الله" مركّب إضافي واضح، ولكنّ وضوحه يخفي خلفه النّص الغائب ودلالته المتأزمة، فهذا المركب يصلح أن يكون مبتدأ لخبر سيأتي في الكلام أو النص، كأن تقول مدينة الله جميلة أو سعيدة، مثلما يصلح أن تكون منكوبة أو محتلة، وتصلح العبارة أيضاً أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف "هذه مدينة الله" وتحتمل دلالات مختلفة بدءاً من الدلالات الإيجابية: مدينة الجمال والبهاء، والطهارة والعدل والخير والصفاء والعطاء، إلى الدلالات السلبية الطارئة بعد أن حلّ البغّالة والبغال في جنباتها وانتشروا في أصقاعها كانتشار الجراثيم القاتلة في الجسد السليم، فإذا هي مدينة القهر والسجون والتعذيب والظلم.
إنّ المقدسي صاحب المدينة يريد مدينته على ما نشأت عليه، هي لكلّ الناس والأجناس.. هي مدينة الله، وهي ليست لفئة من دون أخرى، في حين أنّ الغرباء يريدون أن يستأثروا بالمدينة وحدهم، وهذا ما جاء على لسان (أبو العبد)، وهو يستقبل الراوي في مقهى قلندية: "مجانين، والله العظيم مجانين يا خواجة، لو صارت البلاد لليهود وحدهم لقامت القيامة، هؤلاء.. مجانين، فالقدس كما رأيتها، إنّها مدينة الله، ليست لدين بعينه، وليست لبشر بعينهم.. إنّها مدينة ممدودة على كفّ الله، وهذه الجبال التي تراها ليست سوى البادي من كفّ الله، وهذه الأودية ليست سوى خطوط هذه اليد المباركة".
هوية العنوان مكانية، وقد كرّمها الراوي بالإضافة إلى لفظ الجلالة تعظيماً لها، فجعلها في أعلى مرتبة من مراتب المدن المعروفة وغير المعروفة، وكان يمكن أن يُسميها مدينة الشمس أو مدينة العرب أو المدينة المقدسة أو مدينة العلم أو النور كما كانت تُسَمَّى باريس سابقاً، ولكنّ هذه الإضافات لا تصل إلى ما وصلت إليه هذه المدينة، فنحن نقول: عبد الله وعبد الرحمن ليتشرّف الاسم الأول بالثاني، وقد اكتسبت المدينة هذا التشريف، وهو دالّ عليها، فهي المكان الذي يجد فيه المرء نفسه قريباً من الله، ويجد فيه حياته الروحية الخالصة، فالصوفي يتوق إليها من بعيد، والمؤمن يعشقها، ويتوجّه إليها المسلم والمسيحي في صلواتهما، والعنوان مكان تاريخي، فالوثائق تُثبت أن ملكي صادق أحد ملوك اليبوسيين هو أول من خطّط لها وبناها، وكان ذلك حوالي 3000 ق.م، وسُمّيت حينذاك بيبوس، وهي مسكن الأنبياء، وقد مشى المخلّص على دروبها، وبذل دمه الطاهر ليخلّص البشرية من آثام الخطيئة الأصلية، ولينشر المحبّة بين البشر، وإذا نظرنا إلى هذه المدينة من خلال عينيّ الراوي وكاتب الرسائل فلاديمير الشيوعي حسب عارف الياسين الذي يناديه دائماً: يا رفيق، والمتعبّد المؤمن من خلال ما يتجلّى لنا من خلال السياق النصّي، فإننا نجدها الجنّة البديل من جنة عدن، وكأنّ الله عوّض على آدم ونسله بجنّة على الأرض بدلاً من الجنة التي طُرد منها، ومن هنا كان على الدارس أن يقف عند البؤرة العنوانية ليتبدّى له هذا الجانب أو ذاك.
"مدينة الله" العنوان الرئيس أو البؤرة العنوانية.. بؤرة تشكّل شبكة من الاتصالات والرسائل بين المركز المُشعّ والعناوين الداخلية التي تُغذّيه من جهة، وبين العناوين الداخلية المتخفية عن أنظار القارئ والعنوان الرئيس من جهة ثانية، فحركة الاتصال في ذهاب وإياب، وكأنّها شخصيتان تتحاوران، العنوان المختصر الجامع وهو المفتاح السحري الذي يحتوي على الدلالة ، والعناوين الداخلية التي تقوم على خدمته الدلالية، ففي الرواية تسعة وأربعون عنواناً مقطعياً، وهي عناوين متصلة بالعنوان الرئيس بحبال سرية، كاتصال الجنين برحم أمّه، ولكلّ عنوان وظيفة دلالية شارحة ومفسّرة ومكمّلة لما يتضمّنه المركز، وهي عناوين متنوّعة، ولكنّها تتضامن في خدمة العنوان الكبير، ومنها ما ينتمي إلى مكان معروف في القدس، كأن يتسمّى باسم حيّ من أحيائها أو شارع من شوارعها، أو مكان معروف فيها، ومنها (القدس ــ سلوان ــ في الطريق إلى المغارة ــ المغارة ــ الرامة ــ قلندية ــ في دروب الآلام ــ كنيسة القيامة ــ في بيت لحم ــ أريحا ــ السجن ــ المطعم ــ مطعم الخمريات ــ سوقا الحصر والنحّاسين ــ مخيّم شعفاط ــ مسجد الصخرة ــ مستوطنة جفعاط شاؤول ــ بيت أمّ أسعد ــ الحيّ الأرمني ــ رواق سلوان)، وثمة عناوين زمنية (صباح مقدسي ــ صباح يباكره الألم)، وعناوين لأسماء أعلام وشخصيات ذات حضور في مشهد الرواية ونسيجها (ليلى ــ الفتاة الجنرال ــ سيلفا ــ سعدية ــ أبو العبد ــ أم أهارون ــ عارف الياسين ــ الأمريكيان ــ ثلاثة إسرائيليين).
والعناوين الداخلية عناوين كان يرسلها فلاديمير بودنسكي ــ وهو زائر روسي ــ إلى أستاذه جورجي إيفان في جامعة سان بطرسبورغ، وهو يصف فيها مشاهداته اليومية في القدس وضواحيها وأسواقها وما يراه في الخارج، كما يصف ما يجري داخل الغرفة التي استأجرها من المرأة اليهودية العجوز أمّ هارون، حيث كان يلتقي فيها السجّانة سيلفا التي أحبّته ، وأحبّها فمنحها فحولته وقلبه في آن معاً، وفي هذه الرسائل وصف للحياة اليومية لأهل القدس وضواحيها وجوارها، ووصف للسجون والتعذيب من خلال ما رواه له ياسين العارف نزيل السجون الإسرائيلية وغرف التعذيب غير مرّة، وسيلفا الحبيبة السجّانة، فضلاً عن المشاهدات العينية لما كان يجري يومياً على الحواجز وفي الأسواق وأمام أماكن العبادة.
4 ــ الانبناء: جدلية العنوان والنّص: إذا كانت دلالة العنوان انزياحية وغير مستقرّة على حال، وهي تتجه إلى هذا المدلول مرة، وتذهب أخرى إلى نقيضه في حركة دائبة، فإنّ من الواجب علينا حينذاك أن نمدّ الجسور بين هذا العنوان والنص الذي صنعه، وعلينا أن نستنطق شبكة الشرايين الكبيرة التي تتغذّى وتُغَذِّي بعضها بعضاً وتصل بين الجسدين، وليس ذلك بقصد معرفة أسباب هذا التوتّر الدلالي، وإنما لنضع أيدينا على طبيعته لمعرفة الجدلية القائمة بين العنوان والنص من جهة، ومدى انتشار العنوان في النص والنص في العنوان من جهة أخرى، فقد حذّر جيرار جينيت في دراسة العنوان الاقتصار على دراسته وحده منقطعاً عن النص الكبير حتى لا يقع الدارس فيما وقع فيه دعاة النص المغلق، بل هو ينقل عن الروائي فيريتير "
Furetiére" (1619-1688م) عبارة دالة على وظائف العنوان، وهي: "إنّ العنوان الجذّاب هو قوّاد الكتاب الحقيقي".
أ ــ انتشار العنوان في النص: إنّ للعنوان الرئيس شبكة من العلاقات الداخلية التي تشدّ العنوان إلى نصه الذي صنعه، كما تشدّ النص إلى عنوانه الوليد، مما يؤدي إلى انتشار العنوان انتشاراً بنائياً معمارياً متيناً، ويتجلّى ذلك في رواية "مدينة الله" في الإطار الإيهامي والفواتح والخواتيم والشخصيات والأمكنة واللغة الشاعرة.
فثمة صلة بين العنوان والإطار الإيهامي الذي ورد تحت عنوان "إشارة لا بدّ منها" (ص7-10)، لإيهام القارئ بأن الكاتب لم يكتب وأن الراوي لا يروي، وإنّما يقتصر دوره على دور ساعي البريد أو الإنسان المؤتمن على قضية أو وصية أو أيّ شيء آخر، وهو يؤدي دوره بحياد تامّ وبأمانة عالية، ويظنّ المتأمّل في هذا الإطار أنه منفصل عن جسد الراوية، وخاصة أن الراوي أو المتكلّم في هذه الإشارة القصيرة غير المتكلّم في الرسائل، ومن هنا فإنّ ذلك الإطار إيهامي، ولكنه الأساس والقاعدة التي بنى عليهما حسن حميد روايته، وتصبح الرسائل من دونه عارية ومتباعدة، وهي مجموعة رسائل لكل منها عنوان وموضوع، وإن كان كاتبها واحداً، وهي مرسلة إلى واحد أيضاً، ولذلك كان هذا الإطار جامعاً لها، ولا يجوز إهماله، وهو كالعنوان من حيث الأهمية والوظائف التي يؤديها، بل وهو محاولة بارعة من الراوي الذي جمع هذه الرسائل ورتّبها ودفعها للنشر ليضع قارئه في مجال هذه الرسائل التي تشكّل مجموع العمارة الروائية وتجعل منها عملاً عضوياً موحّداً، وقد صنع حسن حميد هذا الإطار مستفيداً من دراسته الأكاديمية لـ"ألف ليلة وليلة" ذات الإطار الإيهامي الجامع لحكاياتها، ويسوّغ حسن حميد في هذا الإطار نشر هذه الرسائل كما سوّغت شهرزاد سرد حكاياتها، فقد كان من عادة الملك شهريار أنّه كلما أخذ بنتاً بكراً أزال بكارتها وقتلها من ليلتها، وظلّ على ذلك مدّة ثلاث سنوات إلى أن جاء دور شهرزاد، فلما أراد أن يدخل عليها بكت واستأذنت الملك أن تودّع أختها الصغيرة دنيازاد، فأرسل الملك في طلبها، ولمّا ودّعتها جلست تحت السرير، ولمَّا أتمّ الملك مهمته قالت لأختها شهرزاد: بالله عليك يا أختي حدّثينا حديثاً نقطع به سهر ليلتنا، فقالت: حبّاً وكرامة إن أذن الملك المهذب، فلما سمع ذلك الكلام وكان به قلق، فرح بسماع الحديث".
هذه الإشارة في " مدينة الله" فاتحة الرواية كما هي الحال في حكاية الإطار في "ألف ليلة وليلة"، وهي مفتاحها وإطارها الذي يحفظ محتوياتها من التبعثر، وقد أخبرنا الراوي فيها أنَّه اتّبع قبل أربعين سنة دورة تأهيل في الأرشفة، وكانت وديعة عميخاي واحدة من الدارسين، وهي التي تحتفظ بهذه الرسائل من دون أن يبيّن الراوي صلة هذه المرأة بها وكيف حصلت عليها، وهل كان فلاديمير يكتبها ويحتفظ بها أو كان يرسلها، فتعود من حيث ذهبت لعدم معرفة مكان المرسل إليه.. أما لماذا اختارت وديعة هذا الراوي من دون سواه لتضع في حوزته هذه الأمانة فذلك لأنَّ الراوي كان متفوّقاً في هذه الدورة، والمهمّ أنَّ وديعة كانت مصابة بمرض خطير، وكانت تُدرك أنَّ أيامها معدودة، فأرادت أن تبرّئ ذمتها، فألقت التبعات على الراوي الفلسطيني حين زارته في بيت الشرق في القدس ووضعت هذه الرسائل في عُهدته، فأخذ يُراسل أصحاب الأمر، ولكنَّه لم يصل إلى أيّ نتيجة، حينذاك لم يجد أمامه من حلّ سوى نشر هذه الرسائل، ولم يتدخل كما جاء في الإشارة في كتابتها، وإنّما اكتفى بأنْ محا الأرقام المتسلسلة التي وضعتها السيدة وديعة بالقلم الأحمر، ودفعها إلى الطباعة. وللعنوان صلة بالفواتح والخواتيم فالرسائل النَّصّية تعتمد على ركيزتين تتكرران في الفاتحة والخاتمة من كلّ رسالة، ففي الفاتحة عبارة نصية كُتبت بخطِّ أكثر وضوحاً واختلافاً، وهي ديباجة مختصرة لا تتجاوز في الغالب عبارة واحدة، وهي شبيهة بالعنوان في هذا المجال على نقيض الديباجات المطوّلة التي نستخدمها في رسائلنا والتي تهيمن على جسد الرواية للمجاملة، فهي في الرسالة الأولى عبارة "هاأنذا، أكتب إليك من القدس"، وفي الثانية عبارة "أعذرني" ما عدت قادراً على انتظار بريدك الذي لا يأتي"، وفي الثالثة عبارة "أعترف أنني ما كنت أودّ الكتابة إليك مرة أخرى قبل أن تصلني رسالة منك"، وهكذا، وهي تقوم مقام عبارة "قالت: بلغني أيها الملك السعيد" التي تتكرر في مفتتح الليالي، أما الخواتيم النصية فقد أشار إليها الراوي بعبارة "ملحوظة"، وهو يطلب في معظمها من المرسل إليه أن يكتب إليه، وهذه خاتمة الرسالة الأولى: "ملحوظة: أعذرني، أطلتُ عليك، وربَّما أحزنتك.. فسامحني، أنتظر رسالتك باللهفة الكاملة""13"، وكذا شأن نهايات الليالي في "ألف ليلة وليلة"، وهي تنتهي بعبارة متكرّرة غالباً، وهي: "وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح"، حتى إنَّ شبهاً كبيراً فيما بين الليلة الأخيرة من "ألف ليلة وليلة" والرسالة الأخيرة من "مدينة الله" حين توقف الراويان عن الكلام، ففي الليلة الواحدة بعد الألف طلبت شهرزاد أولادها الذكور الثلاثة ووضعتهم بين يدي الملك وقالت: "يا ملك الزمان إنَّ هؤلاء أولادك، وقد تمنّيت عليك أن تعتقني من القتل إكراماً لهؤلاء الأطفال فإنَّكَ إن قتلتني يصير هؤلاء الأطفال من غير أمّ ولا يجدون من يُحسن تربيتهم من النساء""14"، وكذا شأن الملحوظة في الرسالة الأخيرة، فقد جاءت مختلفة عن الخواتيم التي سبقتها، فقد صار فلاديمير نزيل السجون الإسرائيلية فأنهاها بهذه الملحوظة المختلفة: "ليتني طائر الآن، كي أمرّ ولو للحظات فقط بمقهى (أبو العبد) كي أراه، وإن أكرمني ربّي أكثر.. سأنتظر كي أرى عارف الياسين، لأقول له.. إنني في المكان الذي عرفه طويلاً. أرجوك..
لا تكتبْ إليَّ.. فعناوين السجن.. ليست بعناوين".
وللعنوان صلة بالمكان/ الأمكنة، فالرواية من عنوانها مكانية، وللأمكنة في "مدينة الله" صلة أيضاً بتحولات المعنى، وخاصة في الفترة التي دوَّن فيها فلاديمير رسائله، وهي رواية لا تهتمّ بالتاريخ والأحداث بقدر ما تهتمّ بنقل مناخ مقدسي معاصر، وشخصياتها كثيرة، وهي غير محايدة، فالشخصيات المقدسية تصطفُّ صفاً واحداً، وهي تحمل الورود والنعناع والمحبّة والدفء والانتشار، وتقول للعالم: إننا هنا، وهم أهل المدينة، ومنهم أبو العبد وعارف الياسين وسعدية، وإلى جانبهم عدد غير قليل من السيّاح الذين يتألمون من جرّاء الظلم الواقع على أهل البلاد من جهة، وما يحلّ بمدينة السيّد من جهة أخرى، ومنهم فلاديمير وجو مكملان الحوذي، وثمة شخصيات تصطفّ صفاً واحداً، وهي مدججة بالحقد والسلاح والكراهية والتدمير، ومن هؤلاء أم أهارون، وسيلفا حين تكون في السجون والإسرائيليون الثلاثة وسواهم، ومع ذلك فإن هذه الرواية ليست رواية شخصيات، فالشخصية فيها نمطية إلى حدّ بعيد، وتتلخّص وظيفتها في أن تكون في هذه الجهة أو تلك، وهي مرسومة من الخارج لإبراز حركة المكان في زمن محدّد، يتشكّل فيه الصراع بين قوتين: قوة الخير والسلام والمحبّة، وهي تواجه بصبر وصمت قوة غاشمة شيطانية تحاول أن تئد الخير في مدينة الله، ومن هنا يتوازع الرواية مكانياً مناخان: المكان المفتوح وتحولات المعنى في محور الحياة، والمكان المغلق وتحولات المعنى في محور الموت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق